القاضي عبد الجبار الهمذاني

251

المغني في أبواب التوحيد والعدل

كالقرآن ؛ وكان يجب أن يكون ظاهرا ، من قبل ، وفي هذه الحال ؛ وبطلان ذلك يبيّن أن القوم لم يعارضوا القرآن ، وأنهم سلموا له الأمر ؛ ولولا صحة ذلك لم نعلم تقدّم العلماء والشعراء ، في الأزمنة المتقادمة ؛ بل كنا نجوز في أصحاب رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، من لم ينقل خبره ، ممن هو أشهر بالعلم والفضل ، ممن نقل خبره ؛ وفي أيام « جرير » ، و « الفرزدق » ، و « الأخطل » ، ممن يتقدّمهم التقدّم العظيم ، ولم ينقل خبره ؛ وفي أيام « أبي حنيفة » وأصحابه ، « بالكوفة » من برز عليهم وتقدّمهم ، ولم ينقل خبره ؛ وكذلك في أيام « أبى الهذيل » ، و « النظام » بالبصرة ؛ ومن ارتكب هذه الطريقة فقد رضى لنفسه بالجهالات . فإن قال : إن الّذي ذكرتموه ، في باب الإدراك ، إنما وجب لأنه كما تقرّر في العقل ، أنه لا بدّ من أن نعلم المدركات ، فكذلك تقرر فيه أنه : لو أدرك لعلم ، فإذا لم يعلم علمنا أنه لم يدرك ؛ وإذا لم يدرك علمنا أنه ليس ؛ إذ لو جاز لوجب أن يدرك ، فلهذه الأصول أوجبنا نفى ما لا يدرك من الأمور الظاهرة ، ولم نثبت مثل ذلك ، في الأخبار . قيل له : إن الأخبار لاحقة ، في هذا الباب بالمدركات ، لأنا كما نعلم ذلك في المدركات نعلم مثله في الأمور الظاهرة ، التي طريقها الأخبار ؛ وقد بينا : أن الأمر بخلافه ، في الأخبار ، يؤدّى إلى الجهالات فيها ، كما يؤدّى إلى مثله ، في المدركات ؛ ولا فرق في صحة هذا الكلام بين أن يقال في العلم بمخبر الأخبار : إنه من كمال العقل ؛ أو أن لا يقال ذلك فيه ؛ لأنه على الوجهين جميعا لا يمتنع أن يكون لاحقا به ، وإن كان علة أحدهما غير علة الآخر ؛ فالعلة في المدركات ما ذكرناه من وجوب هذه الطريقة ، من جهة كمال العقل ؛ والعلة في الأخبار ما بيناه ، في الدواعي والحاجة ، وأن العادة فيهما لا تنتقض ، على طريقة معروفة ؛